مرض السكري: الأسباب، الأعراض، والتشخيص المبكر وأهمية إدارة المرض

كل ما تحتاج معرفته عن السكري: من الأسباب إلى الكشف المبكر والوقاية

كل ما تحتاج معرفته عن السكري والكشف المبكر


يُعد مرض السكري من أكثر الاضطرابات الأيضية شيوعًا وتأثيرًا على الصحة العامة، نظرًا لقدرة ارتفاع مستويات الجلوكوز المزمن على التسبب في مضاعفات خطيرة تشمل القلب، الكلى، العينين، والجهاز العصبي. ومع تزايد انتشار المرض عالميًا، أصبح التشخيص المبكر عنصرًا حاسمًا للحد من المخاطر المرتبطة به، إذ يتيح للأطباء والمصابين التدخل بشكل فعّال قبل تفاقم الحالة. يركز هذا البحث على استعراض أسباب السكري وأنواعه المختلفة، وعوامل الخطر المرتبطة به، إلى جانب توضيح الأعراض وطرق التشخيص، مع إبراز أهمية الكشف المبكر في الوقاية من المضاعفات وتحسين جودة الحياة.

ما هو مرض السكري؟                                                                                                                  

يُعدّ مرض السكري أحد الاضطرابات الأيضية المزمنة التي تتمثل في ارتفاع غير طبيعي في مستوى الجلوكوز داخل الدم. وقد يتساءل القارئ: لماذا يرتفع السكر أساسًا؟ يعود السبب إمّا إلى نقص إفراز هرمون الإنسولين من البنكرياس، أو إلى عدم قدرة الجسم على الاستفادة منه بالشكل المطلوب، وهي حالة تُشبه وجود مفتاح لا يفتح القفل حتى لو كان موجودًا.

ولفهم الصورة بوضوح، يمكن تخيّل الإنسولين كـ"بوّاب" يسمح للجلوكوز بالدخول إلى الخلايا كي تستخدمه في توليد الطاقة أو تخزينه لاحقًا. وعندما تضعف هذه العملية، يبقى الجلوكوز عالقًا في مجرى الدم، مما يؤدي إلى تراكمه وارتفاع مستواه لفترات طويلة.

ومع مرور الوقت، قد يتحوّل هذا الارتفاع المستمر إلى مشكلة صحية خطيرة؛ إذ يمكن أن ينعكس على صحة القلب، ويزيد خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، ويؤثر في وظائف الكلى، فضلًا عن احتمالية حدوث اضطرابات في الرؤية.]

ما هي أسباب مرض السكري؟

يُعدّ مرض السكري من الاضطرابات الاستقلابية المعقّدة، ويظهر نتيجة مجموعة من العوامل التي تختلف باختلاف نوع المرض. وبينما قد يتساءل البعض: لماذا يُصاب شخص ما بالسكري دون غيره؟ فإن الإجابة ترتبط بعناصر مناعية ووراثية وبيئية تتفاعل معًا لتُحدث الخلل في تنظيم سكر الدم.

أولًا: أسباب الإصابة بالسكري من النوع الأول

يبدأ النوع الأول عادةً بشكل مفاجئ، وغالبًا في سن صغيرة. وعلى الرغم من أن السبب الدقيق لا يزال غامضًا، فإن العلماء يشيرون إلى عدة عوامل محتملة:

  • خلل في الجهاز المناعي: يهاجم الجسم —بالخطأ— خلايا بيتا في البنكرياس المسؤولة عن إنتاج الإنسولين. يشبه الأمر فريقَ دفاع يختلط عليه الخصم بالحليف، فيبدأ بضرب لاعبيه.

  • العوامل الجينية: بعض الطفرات الوراثية أو الجينات المحددة قد تهيئ الفرد لظهور المرض، خاصة عند وجود إصابات سابقة في العائلة.

  • العدوى الفيروسية: هناك أنواع معينة من الفيروسات قد تُحفّز الجهاز المناعي وتدفعه إلى مهاجمة الخلايا البنكرياسية، كما لو كانت العدوى شرارة أطلقت سلسلة من الأحداث غير المتوقعة.

ثانيًا: أسباب الإصابة بالسكري من النوع الثاني

يُعدّ النوع الثاني الأكثر انتشارًا، ويتطور تدريجيًا مع مرور السنوات. وتتشابك وراءه مجموعة من العوامل التي ترتبط بنمط الحياة والبيئة والعمر، ومن أبرزها:

  • العوامل الوراثية والبيئية: اجتماع الاستعداد الجيني مع أسلوب حياة غير صحي يزيد احتمال الإصابة بشكل واضح.

  • زيادة الوزن والسمنة: تراكم الدهون—خصوصًا حول البطن—يُقلل استجابة الخلايا للإنسولين، تمامًا كما تقل كفاءة أي آلة عند تراكم الغبار عليها.

  • التقدم في العمر: بعد سن 45 عامًا تزداد احتمالات الإصابة نتيجة تراجع حساسية الخلايا للإنسولين مع الزمن.

  • وجود تاريخ عائلي: إصابة أحد الوالدين أو الإخوة بالمرض ترفع الخطر بدرجة كبيرة.

  • الخمول البدني: قلة الحركة تُضعف قدرة العضلات على استخدام الجلوكوز، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوياته في الدم.

  • الإصابة بسكري الحمل سابقًا: النساء اللواتي تعرضن له مرةً يكنّ أكثر عرضة للإصابة بالنوع الثاني لاحقًا.

  • أمراض مصاحبة: مثل ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع الكوليسترول، أو زيادة الدهون الثلاثية، وهي عوامل تعمل مجتمعة كعوامل ضغط على الجسم.

  • العِرق: بعض الأعراق مثل الأفارقة الأمريكيين، واللاتينيين، والآسيويين أكثر عرضة للإصابة.

ثالثًا: أسباب الإصابة بسكري الحمل

يظهر سكري الحمل خلال فترة الحمل فقط، وينتج عادةً عن تغيرات هرمونية ترافق هذه المرحلة، ومن أبرز أسبابه:

  • اضطرابات هرمونية: مع تقدم الحمل، تُفرز المشيمة هرمونات تُضعف استجابة الخلايا للإنسولين، فيرتفع مستوى الجلوكوز تدريجيًا.

  • زيادة الوزن: الوزن الزائد قبل الحمل أو خلاله يزيد العبء على الجسم في التعامل مع السكر.

  • وجود إصابة سابقة: النساء اللواتي عانين من سكري الحمل في حمل سابق يظل خطر تكراره لديهن مرتفعًا.

  • العمر فوق 25 عامًا: يزداد احتمال الإصابة كلما كان عمر الأم أكبر.

  • تاريخ عائلي من السكري: وجود إصابات بالنوع الثاني في العائلة يزيد احتمالية ظهور سكري الحمل.

  • متلازمة تكيس المبايض: ترتبط هذه المتلازمة باضطرابات هرمونية ومقاومة للإنسولين، وبالتالي قد تعزز احتمالات الإصابة.

  • ولادة طفل كبير الحجم سابقًا: ولادة طفل يزيد وزنه عن 4 كغم قد تكون إشارة إلى وجود مقاومة سابقة للإنسولين.

ما هي عوامل الخطر التي قد تزيد احتمال الإصابة بمرض السكري؟

عندما نتحدث عن مرض السكري، فإن فهم عوامل الخطورة يصبح خطوة أساسية للوقاية. فوجود تاريخ عائلي للمرض—مثل إصابة أحد الوالدين—قد يُرفع من احتمالية الإصابة، إذ يلعب العامل الوراثي دورًا مهمًا في انتقال الاستعداد للمرض بين الأجيال.
وإلى جانب ذلك، تُعد السمنة وزيادة الوزن من أبرز العوامل؛ فكلما ازدادت كمية الدهون في الجسم، خصوصًا في منطقة البطن، تراجعت قدرة الخلايا على الاستجابة للأنسولين.

ومع التقدم في السن، وخصوصًا بعد سن الخامسة والأربعين، يبدأ الجسم بفقدان بعض قدرته على تنظيم مستويات السكر، مما يرفع الخطر تدريجيًا. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ إن ارتفاع ضغط الدم وزيادة الكوليسترول يشكلان بيئة مثالية لظهور الاضطرابات الأيضية التي قد تمهد للإصابة بالسكري.

وفي مثال آخر، قد يكون للنساء تاريخ مع سكري الحمل، وهو ما يزيد فرص الإصابة بالنوع الثاني لاحقًا، حتى لو اختفت الأعراض بعد الولادة. تخيلي امرأة أصيبت بسكري الحمل خلال حملها الأول، ورغم عودتها لمستويات سكر طبيعية، فإنها تبقى معرضة أكثر من غيرها للإصابة مستقبلًا، ما يستدعي مراقبة صحية مستمرة.

كيف يمكن التعرّف على أعراض مرض السكري؟

قد تظهر علامات السكري بشكل تدريجي، وأحيانًا بشكل مفاجئ، الأمر الذي يجعل الانتباه لها ضرورة. ومن أبرز هذه العلامات العطش الشديد وكثرة التبول؛ فالجسم يحاول التخلّص من السكر الزائد عن طريق البول، مما يدفع الشخص لشرب كميات كبيرة من الماء.
وقد يفقد المريض وزنه دون سبب واضح، رغم أنه لا يحاول اتباع حمية غذائية. يحدث هذا لأن الخلايا لا تحصل على الطاقة الكافية من الجلوكوز، فيلجأ الجسم لحرق الدهون والعضلات.

كما أن الشعور المستمر بالتعب والإرهاق قد يكون مؤشرًا مبكرًا، إذ يشير إلى عدم وصول الطاقة للخلايا بالشكل المطلوب.
ولا يمكن تجاهل تشوش الرؤية، حيث تتأثر عدسة العين بارتفاع مستوى السكر، مما يؤدي إلى ضبابية الرؤية.

وحتى الإصابات البسيطة قد تستغرق وقتًا طويلًا للشفاء؛ فالمريض قد يلاحظ أن الجروح تلتئم ببطء أو أن العدوى تتكرر لديه أكثر من المعتاد. إضافة إلى ذلك، قد تظهر بقع داكنة على الجلد، خاصة في مناطق الثنيات مثل الرقبة والإبطين، وهي علامة تُعرف بـ "الشواك الأسود" وترتبط غالبًا بمقاومة الإنسولين.

كيف يتم تشخيص السكري؟

يتم تشخيص مرض السكري عبر مجموعة من الفحوصات المخبرية التي تهدف إلى قياس مستوى الجلوكوز في الدم والتحقق من قدرة الجسم على التعامل معه. وتساعد هذه الاختبارات، التي تختلف في آليتها وتوقيتها، على تكوين صورة دقيقة عن حالة المريض.

أولًا: اختبار سكر الدم أثناء الصيام
يُطلب من الشخص الصيام طوال الليل، ثم يُقاس مستوى السكر في صباح اليوم التالي. فإذا تجاوزت القراءة 100 ملغم/ديسيلتر، فذلك قد يكون مؤشرًا يستدعي المتابعة؛ تمامًا كما يحدث عند ضبط عدّاد السيارة ومعرفة إن كان يسير ضمن النطاق الطبيعي أم لا.

ثانيًا: اختبار تحمل الجلوكوز الفموي (OGTT)
في هذا الفحص، يتم قياس مستوى السكر قبل تناول مشروب سكري، ثم بعد ساعتين من شربه. وإذا وصلت النتيجة إلى 200 ملغم/ديسيلتر أو أكثر بعد الساعتين، فإن ذلك يُعد دلالة قوية على وجود السكري. يشبه الأمر اختبار قدرة الجسم على التعامل مع “تحدٍ سكري” مفاجئ.

ثالثًا: اختبار الهيموغلوبين A1c
يقيس هذا التحليل متوسط مستويات السكر خلال الـ 2–3 أشهر الماضية. وتُعتبر قراءة 6.5% أو أكثر في اختبارين منفصلين تأكيدًا لوجود المرض. يمكن تشبيه هذا الاختبار بكاميرا تلتقط مشاهد متعددة على مدار أسابيع، وليس صورة واحدة فقط كما يحدث في الاختبارات الأخرى.

رابعًا: اختبار السكر العشوائي
يُجرى في أي وقت، سواء كان الشخص صائمًا أو غير صائم. وعندما تتجاوز القيمة 140 ملغم/ديسيلتر، فقد يكون ذلك مؤشرًا لوجود خلل يحتاج إلى تقييم أعمق.

خامسًا: اختبار السكر بعد الأكل (PPBS)
يُستخدم لقياس نسبة الجلوكوز بعد ساعتين من تناول وجبة الطعام، مما يساعد في تقييم استجابة الجسم للسكريات اليومية التي نتناولها في نظامنا الغذائي المعتاد.

كيف يُدار ويُمنع السكري؟

إدارة السكري ليست خطوة واحدة، بل منظومة متكاملة من الإجراءات الوقائية والعلاجية. ومن بين أهم الأساليب:

  • الفحوصات الدورية، خصوصًا لمن يملكون عوامل خطر مثل السمنة أو التاريخ العائلي.

  • قياس السكر بعد الأكل للتأكد من استجابة الجسم للطعام اليومي.

  • فحص سكري الحمل للنساء خلال فترة الحمل، لتجنب المضاعفات التي قد تؤثر على الأم والجنين.

  • متابعة حالات مقدمات السكري عبر اختبارات دورية وخطط صحية محددة.

  • تبني نمط حياة صحي يقوم على الغذاء المتوازن وممارسة النشاط البدني بانتظام؛ فحتى المشي لمدة 30 دقيقة يوميًا يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا.

لماذا يُعد الكشف المبكر عن السكري أمرًا بالغ الأهمية؟

يسهم التشخيص المبكر، خصوصًا للنوع الثاني من السكري، في تجنب العديد من المضاعفات الخطيرة. فكلما تمّ اكتشاف المرض مبكرًا، زادت فرص حماية القلب، والمحافظة على صحة الكلى، وتقليل احتمالات الإصابة بمشكلات في الشبكية قد تؤدي إلى فقدان البصر.

كما أن الفحص المبكر يمنح المريض فرصة للتدخل السريع عبر تغييرات في نمط الحياة، وضبط التغذية، والمتابعة الطبية المستمرة؛ وهي خطوات قد تبدو بسيطة، لكنها قادرة على تغيير مسار المرض بشكل كبير. لذلك، تبقى المعرفة بالأعراض، والانتباه لعوامل الخطر، والالتزام بالمتابعة الطبية حجر الأساس في الوقاية وتقليل التأثيرات طويلة المدى للسكري.

فوائد الكشف المبكر

يُعدّ الكشف المبكر عن داء السكري أو مرحلة ما قبل السكري خطوة حاسمة تمنح الفرد فرصة ثمينة لبدء التعامل مع الحالة قبل تفاقمها. فالفحوصات الدورية – سواء كانت فحص السكر الصائم أو اختبار تحمل الجلوكوز – تُسهم في اكتشاف التغيرات الدقيقة في مستويات الجلوكوز، مما يتيح التدخل في الوقت المناسب. ولأن السكري يرتبط بسلسلة من المشكلات الصحية الخطيرة مثل أمراض القلب والفشل الكلوي وتلف الأعصاب واضطرابات الرؤية، فإن التشخيص المبكر يشبه نافذة إنقاذ تمنع الوصول إلى هذه المضاعفات قبل وقوعها.

ومن ناحية أخرى، يسمح التشخيص المبكر بالبدء في العلاج المناسب منذ اللحظات الأولى. وقد يشمل ذلك تعديل نمط الحياة من خلال اعتماد تغذية صحية، أو زيادة النشاط البدني، أو استخدام الأدوية حسب الحاجة. فعلى سبيل المثال، قد يتمكن شخص اكتشف إصابته حديثًا من السيطرة على المرض عبر خطوات بسيطة كتنظيم وجباته وممارسة رياضة المشي يوميًا، مما يمنع تدهور الحالة ويُقلل من خطر حدوث مشاكل طويلة الأمد.

ولا تقتصر مزايا الكشف المبكر على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الجانب النفسي أيضًا. فمعرفة المشكلة في وقت مبكر تُشعر الشخص بالطمأنينة وتمنحه إحساسًا أكبر بالتحكم في صحته. كما تساعده على العمل جنبًا إلى جنب مع فريق الرعاية الصحية لوضع خطة علاجية مخصصة تلائم احتياجاته الفردية، وتدعمه لاتخاذ قرارات واعية بشأن أسلوب حياته، مثل اختيار نظام غذائي متوازن أو تنظيم ساعات النوم.

تعليقات